يستدل بقول الله تعالى والفجر وليال عشر على فضل شهر رمضان يُقسم الله تعالى بالفجر والليالي العشر، فيلفت أنظارنا إلى عظمة الأزمنة المباركة وفضل اغتنامها بالطاعة. وشهر رمضان من أعظم مواسم الخير، إذ تتضاعف فيه العبادات وتتهيأ فيه النفوس للتقوى والإحسان.
محتويات المقال
يستدل بقول الله تعالى والفجر وليال عشر على فضل شهر رمضان

الجمهور الأعظم من المفسرين (منهم ابن جرير الطبري وابن كثير) يرون أن المقصود بقوله تعالى {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} في سورة الفجر هو العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وليس شهر رمضان، بينما روي عن بعض السلف (كابن عباس رضي الله عنهما واختاره بعض العلماء كابن عثيمين) أن المقصود بها العشر الأواخر من رمضان لاشتمالها على ليلة القدر.
تفصيل الأقوال في الآية:
• القول الأول (جمهور المفسرين): أن “الليالي العشر” هي عشر ذي الحجة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من أي أيام أخرى، وأنها تشتمل على يوم عرفة ويوم النحر.
• القول الثاني: أن المقصود بها العشر الأواخر من رمضان لأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
الجمع والترجيح بين الفضلين (العشر الأواخر من رمضان وعشر ذي الحجة):
وضح أهل العلم (مثل ابن القيم وابن رجب رحمهما الله) التفصيل الجامع لفضلهما:
• أيام عشر ذي الحجة: أفضل من أيام عشر رمضان لأنها تشتمل على أمهات العبادات واجتماع الصلاة والصدقة والصيام والحج.
• ليالي عشر رمضان: أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لوجود ليلة القدر فيها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحيي ليالي رمضان كلها بالعبادة.
ما معنى والفجر وليال عشر

أولاً: معنى “والفجر”
“الفجر” في اللغة هو الصبح، وهو انفجار ضوء النهار من ظلمة الليل. وقد أقسم الله به لما فيه من العبرة؛ ففيه انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الناس والحيوانات في طلب الأرزاق، وهو مشابه لنشور الموتى من قبورهم. وقيل المراد به فجر يوم النحر خاصة (عاشر ذي الحجة)، وقيل المراد به صلاة الفجر نفسها.
ثانياً: معنى “وليال عشر”
المراد بها على قول جمهور المفسرين من السلف والخلف هي العشر الأول من شهر ذي الحجة. قال ابن كثير: “المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف”. وقال القرطبي: “وليال عشر أي ليال عشر ذي الحجة”. وقال الطبري: “الصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحي لإجماع الحجة من أهل التأويل”.
لماذا سُميت “ليالٍ” مع أنها أيام؟
قال أهل التفسير: لأن الليالي مخصوصة من بين جنس الليالي بفضيلة ليست لغيرها. وقيل: لأنها ليالٍ مخصوصة من بين جنس الليالي، والعشر بعض منها.
الأقوال الأخرى في تفسيرها
وردت أقوال أخرى عن بعض السلف، وإن كان القول الأول هو الراجح:
العشر الأواخر من رمضان: لما فيها من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
العشر الأوائل من المحرم: لما فيه من يوم عاشوراء.
فضل هذه الليالي العشر
ورد في فضلها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).
لماذا سميت سورة الفجر بهذا الاسم؟

سُميت سورة الفجر بهذا الاسم لأنها افتُتحت بقسم الله تعالى بالفجر، فقال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
فكانت أول كلمة في السورة هي “الفجر”، فسُميت بها، كما جرت عادة القرآن في تسمية كثير من السور بأول كلمةٍ بارزة فيها، مثل: سورة الضحى، وسورة الليل، وسورة الفلق، وسورة الناس.
ويمكن توضيح ذلك في نقاط:
الافتتاح بالقسم بالفجر:
السورة تبدأ بقسمٍ عظيمٍ: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، فصار هذا اللفظ عنوانًا للسورة وعلامةً عليها.
أسماء السور توقيفية في الأصل:
أسماء سور القرآن ثابتةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة، وهي غالبًا تُؤخذ من أول السورة أو من كلمةٍ محورية فيها.
مناسبة الاسم لمحتوى السورة:
الفجر هو انبلاج النور بعد الظلمة، وهو رمزٌ للبعث والخروج من ظلمة القبور إلى نور الله. والسورة تتحدث عن:
الأمم المكذبة: عاد، وثمود، وفرعون.
عاقبة الطغيان والاستكبار.
الابتلاء بالغنى والفقر.
خاتمةً عظيمة عن النفس المطمئنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
فكأن السورة تبدأ بالفجر؛ إشارةً إلى أن النور يأتي بعد الظلام، وأن العاقبة للمتقين.
ليست خاصة بصلاة الفجر:
المراد بالفجر هنا وقتُ الفجر أو فجر يوم النحر على بعض أقوال المفسرين، وليس المقصود صلاة الفجر فقط.
ما هي الدروس المستفادة من سورة الفجر؟

سورة الفجر سورة عظيمة جمعت بين القسم بالزمان، وقصص الأمم المكذبة، وطبيعة النفس البشرية، ومآل الأبرار والفجار. ومن أهم الدروس المستفادة منها:
1. تعظيم الأزمنة والأوقات المباركة
افتتحت السورة بقسم الله تعالى بـ ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وفي ذلك تنبيهٌ إلى شرف الفجر والعشر الأول من ذي الحجة، وأن على المسلم أن يستغل مواسم الخير والطاعات.
2. الاعتبار بمصير الأمم الظالمة
ذكرت السورة عادًا وثمود وفرعون، وهم أصحاب قوةٍ وعمرانٍ وجبروت، لكنهم طغوا وكذبوا الرسل، فأهلكهم الله. والدرس: الظلم والاستكبار سبب الهلاك، ولا تنفع القوة ولا المال إذا حلّ غضب الله.
3. الله سبحانه رقيبٌ على أعمال العباد
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، أي أنه سبحانه يرصد أعمال الظالمين ولا يغفل عنهم، وفي هذا تحذيرٌ من الظلم، وطمأنةٌ للمظلومين بأن الله لا يضيع حقوقهم.
4. الابتلاء بالغنى والفقر سنة إلهية
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.
فليس الغنى دليلًا على رضا الله، وليس الفقر دليلًا على هوان العبد؛ بل كلاهما ابتلاء واختبار. وقد ردّ الله هذا الفهم فقال: ﴿كَلَّا﴾.
5. وجوب إكرام اليتيم وإطعام المسكين
قال تعالى: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
وفي هذا درسٌ في العدالة الاجتماعية والرحمة بالضعفاء، وأن الإيمان الحق يظهر في رعاية اليتيم، وإطعام الجائع، وعدم احتقار الفقراء.
6. تحريم أكل الحقوق والحرص على المال
قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.
والدرس: عدم أكل أموال الناس بالباطل، وعدم استغلال الضعفاء، وعدم جعل حب المال أكبر همّ الإنسان.
7. الحساب والجزاء يوم القيامة
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، ثم ذكر جهنم والجنة.
وفي هذا تذكير بأن هناك يومًا يُحاسب فيه كل إنسان على عمله، فلا يظن الظالم أن عقابه قد تأخر.
8. سعادة النفس المطمئنة
ختمت السورة بأجمل خاتمة:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
والدرس: أن غاية المؤمن أن تصل نفسه إلى الطمأنينة بالإيمان، والرضا بقضاء الله، فيُقال له يوم القيامة: ادخل في عبادي وادخل جنتي.
9. الدنيا دار امتحان لا دار قرار
كل ما في السورة من قصص الأمم، وتقلب الأحوال بين غنىً وفقر، وقوة وضعف، يدل على أن الدنيا زائلة، وأن العبرة بالخاتمة وحسن المآل.
10. الدعوة إلى الإصلاح والتغيير
السورة تخاطب الإنسان لتغيير نظرته إلى المال، والضعفاء، والتاريخ، والآخرة. فمن استفاد من سورة الفجر علم أن:
الكرامة الحقيقية بالتقوى لا بالمال.
القوة بلا عدلٍ إلى زوال.
الرحمة بالضعفاء طريق إلى رضا الله.
الاستعداد للآخرة هو العقل والكياسة.
والخلاصة: سورة الفجر تدعو إلى الاعتبار بالتاريخ، والعدل الاجتماعي، وإكرام الضعفاء، وعدم الاغترار بالدنيا، والاستعداد ليوم الحساب، والسعي إلى أن نكون من النفس المطمئنة التي تُبشَّر بالجنة.










